|
تباين دور المرأة كما تباينت حقوقها ومكتسباتها على مدار التاريخ, وتنوع دورها هبوطا وصعودا تبعا للنمط الانتاجي السائد في المجتمع وما تقدمه المرأة من مهام فيه. هذه الحقيقة التي تنقلنا إلى خلاصة الموضوع مباشرة تنسف ومن الجذر الفكرة القائلة بعجز المرأة التاريخي, كما وتوجه أنظار النساء المناضلات إلى ساحة المعركة الاصيلة وتحميهن من تمييع شكل النضال المستنبط من روح التناقض في المجتمع الرأسمالي نفسه.
نظرة إلى التاريخ
المرأة في المشاعية البدائية: في تلك المرحلة القديمة جدا والتي لم تعرف أي شكل من أشكال الملكية الخاصة, لم يكن هناك إختنلاف بين الرجل والمرأة وكانت مسؤوليتهما وأعبائهما واحدة, حتى أنه حسب علماء الانثروبولوجيا لم تكن هناك فوارق جسدية تذكر بين الرجل والمرأة, وإن كلاهما كان يتمتع بقوة ومرونه شبه متماثلتين وأن ثمة مميزات نسوية عديدة لم تتطور إلا مع تأدية المرأة دور " المفرخة " وتأمينها إنتاج الذرية جيلاً بعد جيل. إذن كانت المرأة تمارس الدور ذاته الذي يمارسة الرجل من الصيد والقطاف والتصدي لهجمات العدو الألد آن ذاك وهو الحيوان المفترس. هذه الشراكة الندية الحقيقة في تلك الحقبة الزمنية جنبت المرأة أي شكل من أشكال التبعية للرجل . في مرحلة تاريخية متقدمة من المشاعية البدائية تعددت أنماط الانتاج دون ظهور للملكية الخاصة وتبعا للنمط الانتاجي المتبع في القبيلة كانت تتحدد حقوق المرأة وعلاقتها بالرجل, فالقبائل التي إتخذت من تربية المواشي نمطاً إنتاجياً أساسيا كانت مجتمعات أبوية (Batriarcat) وتلك التي زاولت الزراعة كانت مجتمعات ذات نظام أمومي Matriarcat)). ويعود هذا الاختلاف لدور كل من الرجل والمرأة في النمط الانتاجي, فالمرأة وهي تاريخياً أول عامل زراعي, كانت العنصر البشري الاساسي في الانتاج, أما في القبائل المربية للمواشي فكان دورها ثانوياً مرتبطاً بعناية المواشي التي يجلبها الرجل أساساً.
المرأة في العبودية: في هذه المرحلة ظهرت طبقتان أساسيتان شكلتا المجتمع آنذاك: المواطنين الأحرار وطبقة العبيد. لم تتساوى المرأة مع الرجل في هذه المرحلة إلا في طبقة العبيد, فقد تساوت معه في إستلاب الحقوق والاضطهاد المشترك وفي الحرمان من الحرية. أما في طبقة المواطنين الأحرار فقد كانت المرأة تتبع للرجل وتأتمر بأمره, ويعود هذا الشكل من العلاقة والتردي الكبير في وضع المرأة عن دورها في المجتمعات الزراعية إلى عدة أسباب أهمها : • تراجع دور الزراعة كنمط إنتاجي وحيد, وظهور أشكال أخرى من العمل كالفاخوري والدباغ والجندي, وأوكلت مهمة الزراعة إلى طبقة العبيد نساءً ورجالاً. • تغير أسس تقسيم العمل بالتزامن مع ظهور الملكية الخاصة, الأمر الذي سهل الطريق لتشكل العمل المنزلي على حساب العمل الجماعي القبلي, والذي أوكلت به المرأة.
المرأة في الاقطاع: حولت الشروط الاقتصادية في مرحلة العبودية المرأة في طبقة الاحرار إلى أسيرة بيتها متطفلة على المجتمع, وفي طبقة العبيد حولتها إلى أسيرة عملها الشاق والمرهق وضحية للإستغلال الجنسي. على كل حال, فقد تضافرت الصراعات الطبقية مع عطالة أنظمة الإنتاج القائمة في العبودية على تقويض ركائز دول العصر القديم القائمة أساساً على عمل العبيد القسري مما دفع البشرية إلى شكل جديد من أشكال الإنتاج وهو النظام الاقطاعي. إنقسم الناس في هذه المرحلة إلى ثلاث طبقات ريئسية: مالكي الارض, الفلاحين الاقنان, والبرجوازية الناشئة. إختلف وضع المرأة تبعا لإنتمائها الطبقي, وداخل الطبقة الواحدة كان العامل الاساسي هو دورها في الإنتاج وحصتها من الملكية إن وجدت. المرأة الاقطاعية أو الدوقة زوجة الرجل الاقطاعي, المالك الأول للأرض ومالك الفرسان المكلفين بجلب أراضي جديدة , كانت مسؤولة عن الإدارة المنزلية في القصر الاقطاعي, كانت سيدة الفلاحين الاقنان وكانت تابعة للزوج الاقطاعي في آن واحد. الفلاحة زوجة الفلاح القن المضطهد, رزحت معه تحت نير إضطهاد الملاكين للأرض, إلا أن ذلك لم يسعف في تقليص الاختلاف والتمايز بينهما نظرا لإنتقال عدوى السطوة الذكورية من القصر إلى الكوخ ونظرا للتمثيلية الذكورية في التعامل مع مالك الارض. المرأة البرجوازية, زوجة التاجر أو الحرفي, لم تكن بأحسن حال , فالتجارة كانت تقتضي الحركة السهلة للتعامل مع مزودي البضائع الاجنبية, والتي كانت تفتقد إليها المرأة إستناداً للظروف التاريخية التي سبق ذكرها. أما زوجات الحرفيين فعلى الرغم من دورهن المتقدم في الإنتاج مقارنة مع زوجات التجار إلا أنهن بقين تابعات للمعلم الذكر صاحب الورشة المنزلية والممثل الشرعي للمهنة في الروابط الحرفية.
المرأة في مرحلة الرأسمال التجاري, الصناعي, التكنولوجي: ولدت الرأسمالية على حطام النظام الاقطاعي عندما تمكن الاقتصاد التبادلي القائم على المال من تنحية شكل الاقتصاد المدار منزليا داخل القصر الاقطاعي, فتراجع دور الاتاوات والسخرات التي كان يقدمها الفلاحون الاقنان للمالك العقاري بظهور آليات التبضع من المدينة التجارية أو الحرفية المجاورة. خلال حقبة التطور الرأسمالي مرت المرأة بفصول طويلة ومعقدة تبعاً لذلك التطور, ولكن كان هناك العديد من القواسم المشتركة التي حكمت ظروفها في تلك المرحلة: • مثلت المرأة دور العمالة الرخيصة في مرحلة الرأسمال الصناعي الباحث عن أكبر عدد من الشغيلة وبأقل تكلفة. • إنحصر دور المشاركة في العمل المنتج في العهد الرأسمالي لصالح الحصة في الملكية الخاصة, الامر الذي حرم المرأة من حقوقها على الرغم من مشاركتها في عمل منتج وتحديدا في مرحلة الرأسمال الصناعي. • دفاعاً عن مصلحة رأس المال إستصدرت التشريعات الضامنة لتوزيع الثروات على أقل عدد ممكن, الأمر الذي أفقد المرأة حقها في الميراث في حقبة ما يسمى بعصر النهضة. • إستناداً إلى التاريخية الذكورية للملكية الخاصة وإلقاء أعباء العمل المنزلي على كاهل المرأة تطورت آليات تقسيم العمل بإتجاهات لا تسعفها على نيل حقوقها. • أثر تطور آليات تقسيم العمل على فرص المرأة في سوق العرض والطلب الرأسمالي ومن جهة أخرى أثر في بنية الوعي الاجتماعي ليلعب دورا معادياً للمرأة.
إستناداً إلى التاريخ: في الثورة الفلاحية الفرنسية التي إندلعت عام 1358 لعبت النساء دوراً هاماً وشاركن في الثورة بحماسة منقطعة النظير, كان البحث عن حقوق المرأة مضمناً في إطار الثورة الطبقية للمجموع. عشية الثورة الفرنسية عام 1789 إكتظت باريس بالشحاذات والعاهرات والنساء العاطلات عن العمل اللواتي إلتحقن بالثورة مما عانينه من الجوع والفقر وكانت الثورة هي الحاضنة لشعاراتهن في الكسب الشريف وحرية العمل المطلقة ضد آليات تقسيم العمل الذكورية. إن المعضلة الأساسية في قضية المرأة تكمن في التاريخية الذكورية للملكية الخاصة، وما لحق بها من تشريعات مجحفة بحق المرأة، وفي آليات تقسيم العمل التي أبعدتها عن الكثير من أشكال العمل المنتج من جهة وجذرت ثقافة إجتماعية معادية لها من جهة أخرى. فبالقضاء على الملكية الخاصة وتبديل آليات تقسيم العمل وتبديل الوعي الإجتماعي, ستتمكن المرأة من تحقيق المطالب التي تنادي بها الحركات النسائية اليوم والمتعلقة بالإنتخاب والمشاركة السياسية والنوع الاجتماعي, ولتحقيق هذه الاهداف من الاجدر بالحركات النسائية الإنخراط في العمل النضالي الطبقي الهادف إلى هدم البنية القائمة وإحلال بنية أكثر تقدمية, ذلك سيكون أكثر جدوى من المناكفات المطولة للتشريعات القائمة. مرجع هذه المادة هو المحاضرات الأربعة عشر التي قدمتها ألكساندرا كولنتاي في أوسلو عام 1925 م. " وحدها العواصف الثورية الجديدة إمتلكت القوة الكافية لتكنيس كافة العقد والترسبات ضد النساء, ووحده الشعب الكادح المنتج هو القادر على تحقيق المساواة الكاملة والتحرر الناجز للمرأة ببنائه المجتمع الجديد.". كولنتاي
محمد فرج |